0
ربما هو آخر الرجال المحترمين من زمن سيجار الهافانا، ولعلّه الرّجل الأقدر على فكّ الألغاز في لعبة التشفير التي تحياها الجزائر مع الانتخابات الرئاسية في السابع عشر من أفريل القادم.. ولكن السيّد "مولود حمروش" في ندوته الصحفية، اختار أن يزيد الأوضاع "تشفيرا" ويُلقي بمزيد من الألغاز، ليس فقط حول الانتخابات الرئاسية، ولكن أيضا حول ارتدادات الصراع بين عناصر "منظومة الحكم" على أرضية الواقع الجزائري وعلى أفق الجزائر المُستقبلي.

"مولود حمروش" كان خيارا "رئاسيا" لقوى جزائرية متعددة ومن أوساط مختلفة، باعتباره يمتلك معرفة عميقة بالأدوات العسكرية والسياسية والإدارية التي ترتكز عليها منظومة الحكم في الجزائر. وهذه المعرفة هي التي تستدعي قراءة ما جاء في ندوته بجديّة وحذر شديد.. فما يقوله الرجل محسوبٌ بشدة وينطلق من معلومات دقيقة، ولا نعتقد أن ما قاله يدخل في إطار المناورات السياسية، أو لتبرير فشل من أمر لم يحدث، أو للاعتراف بأن اللعبة قد أُغلقت ولا جدوى من المشاركة فيها.

لم يكن واضحا، إن كان السيد مولود حمروش قد توجّه من خلال ندونه الصحية إلى الرأي العام الجزائري أو إلى أطراف أخرى في الحكم ولكن بإشهاد الصحافة والرأي العام، أو أراد تبرئة ذمته أمام التاريخ.. لكن الواضح، أن الرجّل، أصرّ على تقديم نفسه بأنه رجل التوازنات الذي لا ينتقد الأوضاع التي أدى إليها سلوك النظام، بل يدقّ ناقوس الخطر حول مسار الأوضاع الذي اختاره النظام ولا يريد أن يعدّل فيه وفق خارطة طريق جديدة.. وربما يرى "مولود حمروش" أن خارطة الطريق التي اقترحها سابقا هي التي يليق بالمسار الجديد الذي يراه.

فحديث "حمروش" حول أهمّ سبب حال دون ترشّحه وهو عوامل الانسداد التي تبدو أنها مُستمرة منذ زمن لم يحدّده، حيث قال:" الانسداد يحمل في طياته مخاطر حقيقية.. تحمل تهديدات خطيرة وتغذي عوامل التفرقة، وتشل عمل المؤسسات، وتضع الرجال تحت وطأة ضغوط مستحيلة"، يبدو الحديث أكاديميا ويليق أن يُقال في مُختبر بحث وليس في ندوة صحفية، أما وأنه قيل في ندوة صحفية فيجب الوقوف عند المُفردات وقراءتها في سياق مسار الأوضاع.. وربما نصل إلى نتيجة أن الانسداد ليس نتيجة لسياسة وبرامج، ولكنه إستراتيجية حكم لم يجد خيارا آخر ليحكم به جغرافية سياسية وعرقية ودينية.. لا يبدو الأمر مقبولا، إذ كيف للانسداد أن يكون صمّام أمان من التهديدات والأخطار، ولكنه قد يكون كذلك إذا انكشفت المعلومات الكافية التي جعلت مولود حمروش يدعو إلى استثمار التقاليد السياسية الراسخة في إحداث التوازنات الوطنية.

ربما لو أن السيد مولود حمروش طرح رؤيته "كيف سيحكم الجزائر" لو صار رئيسا، كان أجدى من الزّج بمزيد من الألغاز حول "آليات الحكم" في الجزائر؟ ولو أنه كان أكثر صراحة في تقديم رؤيته للمستقبل الجزائري القريب وفق منظوره لمنظومة الحكم في الجزائر، لكان أجدى من زرع المزيد من الخوف في قلوب الجزائريين.. خوفٌ من عوامل الانسداد التي تحمل في طياتها مخاطر حقيقية، كما قال.

وإذن، هل قال السيد "مولود حمروش" شيئا؟ المُشكلة أنه لم يقل شيئا، وفي الوقت نفسه قال أشياء كثيرة مهمة وخطيرة ولكن قد تُفهم في الوقت الذي لا جدوى من فهمها. 

إرسال تعليق Blogger

 
Top